النجوم النيوترونية: من انهيار النجوم إلى مختبرات الفيزياء المتطرفة
النجوم النيوترونية:
من انهيار النجوم إلى مختبرات الفيزياء المتطرفة
ناصر بن صالح الزايد
بمساعدة من الذكاء الاصطناعي
تُعدّ النجوم النيوترونية من أكثر الأجرام الفلكية المستقرة كثافةً؛ فهي بقايا نجمية تحصر كتلةً تزيد على كتلة الشمس داخل كرة لا يتجاوز قطرها نحو 20–26 كيلومترًا. وتتيح جاذبيتها الهائلة ودورانها السريع وحقولها المغناطيسية الشديدة دراسة أنظمة فيزيائية يتعذر تحقيقها في المختبرات الأرضية. ومنذ التنبؤ النظري بها في ثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت أداة أساسية لاختبار الفيزياء النووية والمادة الكمومية والنسبية العامة.
من التنبؤ إلى الاكتشاف
اكتشف جيمس تشادويك النيوترون عام 1932. وفي عام 1934، اقترح والتر بادي وفريتز زفيكي أن المستعرات العظمى قد تُخلّف نجومًا نيوترونية مدمجة. وجاء الاختراق الرصدي عام 1967 عندما اكتشفت جوسلين بيل برنيل نبضات راديوية شديدة الانتظام؛ وأُعلن اكتشاف أول نجم نابض عام 1968. وسرعان ما فُسرت النبضات بنجوم نيوترونية ممغنطة تدور حول محاورها. وفي عام 1974، اكتشف راسل هالس وجوزيف تايلور النجم النابض الثنائي PSR B1913+16؛ وقد وفّر تناقص مداره دليلًا غير مباشر قويًا على انبعاث موجات الجاذبية، ونالا عن ذلك جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1993 [1–3].
الولادة في مستعر أعظم
يمكن لنجم ضخم (تزيد كتلته الابتدائية عادةً على نحو ثماني كتل شمسية) أن يكوّن لبًّا كثيفًا غنيًا بالحديد يصبح في نهاية المطاف غير مستقر جاذبيًا. وخلال الانهيار تلتقط البروتونات الإلكترونات فتتحول إلى نيوترونات مع إصدار نيوترينوات:
p + e⁻ → n + νₑ
عندما تبلغ الكثافة تقريبًا كثافة المادة النووية (ρ₀ ≈ 2.7 × 10¹⁷ kg m⁻³)، تصبح معادلة حالة المادة النووية أشد صلابةً ويرتدّ اللب الداخلي، مولّدًا موجة صدمية تتوقف غالبًا ثم قد تُبعث من جديد بتسخين النيوترينوات والحركات المضطربة، فتطرد غلاف النجم في انفجار مستعر أعظم. ويبرد النجم النيوتروني الأولي المتبقي أساسًا بإصدار النيوترينوات. أما إذا زادت كتلة البقية كثيرًا فقد تنهار إلى ثقب أسود؛ ولا يؤدي كل انهيار لنجم ضخم إلى مستعر أعظم مرئي ناجح.
بنية داخلية استثنائية
تتألف القشرة الخارجية من نوى غنية بالنيوترونات مرتبة في شبكة بلورية، تغمرها إلكترونات متحللة كموميًا. وبعد بلوغ حد «تسرب النيوترونات»، تضم القشرة الداخلية أيضًا نيوترونات حرة يُرجّح أن يكون بعضها في حالة مائع فائق السيولة. ويُتوقع أن يتكون اللب الخارجي السائل أساسًا من النيوترونات مع بروتونات وإلكترونات، وأحيانًا ميونات؛ وقد تكون النيوترونات المقترنة فائقة السيولة والبروتونات المقترنة فائقة التوصيل. ولا تزال طبيعة اللب الأعمق مجهولة؛ ومن الاحتمالات وجود الهايبرونات أو الكواركات الحرة، دون إثبات رصدي حاسم [4].
الكتلة ونصف القطر والجاذبية
لنأخذ نجمًا نيوترونيًا نموذجيًا كتلته M☉ = 1.4 M ونصف قطره R = 12 km. تُحسب كثافته المتوسطة وجاذبيته السطحية النيوتونية التقريبية بالعلاقتين:
ρ̄ = 3M/(4πR³) ≈ 3.8 × 10¹⁷ kg m⁻³; g ≈ GM/R² ≈ 1.3 × 10¹² m s⁻²
بخلاف النجوم العادية، لا يحتاج النجم النيوتروني إلى اندماج نووي مستمر لمقاومة وزنه؛ إذ تقاوم الجاذبيةَ ضغوطُ انحلال الفرميونات والتآثرات النووية القوية. وتُحسب بنيته بدقة باستخدام معادلة تولمان–أوبنهايمر–فولكوف النسبية ومعادلة حالة P(ε)، التي تربط الضغط بكثافة الطاقة. وتعتمد أقصى كتلة مستقرة ونصف القطر عند كتلة معينة بشدة على هذه العلاقة التي لا تزال غير محسومة تمامًا.
ما درجة حرارتها، ولماذا تتوهج؟
يولد النجم النيوتروني شديد السخونة (وقد تصل حرارة باطنه أولًا إلى نحو 10¹¹ كيلفن)، لكنه يفقد طاقته سريعًا عبر النيوترينوات. وقد تبقى حرارة سطح النجوم الفتية قرب 10⁶ كيلفن فتبعث أشعة سينية حرارية، بينما تبرد النجوم المنفردة الأقدم إلى نحو 10⁵–10⁶ كيلفن. ويُقدّر لمعانها الحراري بقانون ستيفان–بولتزمان: L ≈ 4πR²σT⁴. وقد تنتج النجوم النابضة أيضًا انبعاثات راديوية وسينية وأشعة غاما غير حرارية من جسيمات يسرّعها المجال المغناطيسي، وتستمد الطاقة من الدوران. وفي الأنظمة الثنائية، يطلق الغاز الساقط طاقة جاذبية تولّد أشعة سينية إضافية شديدة اللمعان [8، 9].
لماذا تدور بهذه السرعة؟
ترث النجوم النيوترونية الزخم الزاوي من لبّ النجم الأم الدوّار. وبما أن عزم القصور الذاتي يتناسب تقريبيًا مع I ≈ kMR²، فإن الانكماش يرفع السرعة الزاوية كثيرًا إذا احتُفظ بالزخم الزاوي L = Iω:

قد تدور النجوم النابضة الفتية مرات عديدة في الثانية. أما «النجوم النابضة الملي ثانية» الأسرع بكثير فتُعاد عادةً زيادة سرعة دورانها بانتقال المادة من نجم مرافق في نظام ثنائي، مما يضيف زخمًا زاويًا إلى النجم القديم. وسُجّل أسرع نجم نابض راديوي مؤكد، PSR J1748−2446ad، عام 2006 بتردد دوران f ≈ 716 Hz وزمن دورة T = 1/f ≈ 1.396 ms [5]. وبافتراض نصف قطر قدره 12 km تكون السرعة الاستوائية التقديرية:
v = 2πRf ≈ 5.4 × 10⁷ m s⁻¹ ≈ 0.18c
تعتمد هذه السرعة المقدرة على نصف القطر، وليست قياسًا مباشرًا لسرعة السطح. ويجعل الدوران الشديد النجم مفلطحًا عند القطبين، كما يقيّد معادلات الحالة الممكنة للمادة فائقة الكثافة.
![]() |
الشكل 1. انتقال المادة في نظام ثنائي يزيد سرعة دوران النجم النيوتروني. |
![]() |
الشكل 2. يفسّر شعاع الإشعاع الدوّار النبضات التي يرصدها المراقب. |
النجوم النابضة والمغناطيسية والساعات الكونية
النجم النابض نجم نيوتروني دوّار يمر نمط إشعاعه دوريًا بخط نظر الراصد، أشبه بضوء المنارة. وقد تبلغ شدة المجال المغناطيسي في النجوم النابضة الراديوية المعتادة نحو 10⁸ T، بينما تصل في النجوم المغناطيسية (المغناطارات) إلى قرابة 10¹⁰–10¹¹ T. وتُبطئ الإشعاعات ورياح الجسيمات الدوران تدريجيًا. وتكشف القفزات المفاجئة النادرة في سرعة الدوران، المسماة «اختلالات الدوران» (glitches)، عن تبادل الزخم الزاوي بين القشرة الصلبة والمائع الفائق الداخلي. وليس كل نجم نيوتروني مرصودًا كنجم نابض، كما أن النبضات ليست صوتًا عاديًا ينتقل عبر الفضاء.
اكتشافات غيّرت الفيزياء الفلكية
أرسى اكتشاف نجم نابض بزمن دورة 1.56 ms عام 1982 فئة النجوم النابضة الملي ثانية. وفي 2006 وضع قياس نجم يدور عند 716 Hz حدًا رصديًا أعلى [5]. وفي 17 أغسطس 2017، رصد مرصدا ليغو وفيرغو موجات الجاذبية GW170817 الناتجة من اندماج نجمين نيوترونيين، ورصدت التلسكوبات نظيرها الكهرومغناطيسي أيضًا. وأطلق ذلك عصر رصد الأجرام المدمجة بوسائط متعددة، وعزّز فهم اندماج النجوم النيوترونية بوصفه موقعًا لتكوين العناصر الثقيلة عبر الالتقاط السريع للنيوترونات [6]. ولاحقًا، وفّر مرصد NICER الفضائي التابع لناسا قيودًا على كتل النجوم النابضة وأنصاف أقطارها، مما حسّن تقديرات ضغط المادة فائقة الكثافة [4، 7].
أسئلة مفتوحة وآفاق البحث
ما أكبر كتلة يستطيع النجم النيوتروني تحملها قبل الانهيار؟ وهل يتكون قلبه الأعمق من النيوكليونات أم الهايبرونات أم مادة غنية بالكواركات؟ وما الذي يحدد أعلى سرعة دوران، وكيف تتطور دوامات المائع الفائق وخيوط الفيض المغناطيسي في الموصل الفائق؟ تتناول هذه الأسئلة اليومَ قياساتُ توقيت النبضات، ونمذجةُ نبضات الأشعة السينية، والتجاربُ النووية، ورصودُ موجات الجاذبية معًا. وهكذا تحوّل النجم النيوتروني من بقايا مستعر أعظم مفترضة إلى مختبر دقيق للفيزياء الأساسية.
مراجع مختارة
[1] Baade, W. & Zwicky, F. (1934). On super-novae. PNAS 20, 254–259.
[2] Bell Burnell, J. (2017). The past, present and future of pulsars. Nature Astronomy 1, 831–834.
[3] Nobel Prize in Physics (1993). nobelprize.org.
[4] NASA (2021). NICER probes the squeezability of neutron stars. nasa.gov.
[5] Hessels, J. W. T. et al. (2006). A radio pulsar spinning at 716 Hz. Science 311, 1901–1904.
[6] Abbott, B. P. et al. (2017). GW170817. Physical Review Letters 119, 161101.
[7] NASA HEASARC (2025). NICER Nuggets, 5 June 2025.
[8] NASA HEASARC (2018). NICER Nuggets, 28 September.
[9] NASA Imagine the Universe. Neutron stars and pulsars




تعليقات