هل كان آباء البشر مجهولين؟ هل كان سام وحام ويافث مجرد أسماء وهمية؟
- ناصر الزايد
- قبل 4 أيام
- 4 دقيقة قراءة
هل كان آباء البشر مجهولين؟ هل كان سام وحام ويافث مجرد أسماء وهمية؟
ناصر بن صالح الزايد
في إطار بحث مطول عن طوفان نوح، تاريخه، كيفيته، نتائجه، أدلته الجيولوجية والأحفورية، جاري كتابته حاليا، فقد وقعت على بحث مطول للباحثين الكريمين: باسم البديرات و فايز الذنيبات، ظهر لي أنه جانب بعض الحقيقة، فأردت التعليق على ماكتبه الباحثان، حيث لم أجد أي رد عليهما حتى الآن، وهما أول من أصل لفكرة أصل البشر بأنه لا يعود إلى نوح بشكل نسبي مباشر.
أشار الباحثان إلى أن ذرية نوح المذكورة في الآيات القرآنية هي من الإناث فقط. وهو إشكال كبير يتوجب محاولة كشف الصواب الذي جانبهم في تحليلهم. إن أول ما يجب أن يعلم، أن نتيجة ذلك التحليل هو أن جميع البشر الحاليين لهم أباء مجهولون، أي أنهم يصبحون مقطوعي النسب، لأن أزواج بنات نوح غير معروفين، كما ينتفي الوصف السائد بأن نوحا هو أبو البشر الثاني، كما يتم تلقائيا تخطئة جميع المؤرخين الذين لا يشكون في نسب قبائل العرب الأولى مثل عاد وثمود والتي تنتمي إلى إرم بن عوص بن سام بن نوح، وأن مدينة صنعاء هي مدينة سام كما تواترت بذلك كتب التاريخ. كل ذلك يصبح هباء منثورا متى ما قبلنا طرح هذين الباحثين. ولكن أيضا فإن ذكر القرآن للمحمولين مع نوح بدلا من الإشارة الصريحة إلى ذريته أو آله، هو أمر يحتاج إلى تجلية.
دعونا نقسم الآيات ذات العلاقة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: آية سورة الإسراء وآية سورة مريم والتي تنص على ذرية المحمولين
القسم الثاني: آيات تشير إلى حصر البشر الحاليين بذرية من حملوا على السفينة
القسم الثالث: آيات مرجعية في تأكيد أن البشر الحاليين هم في الحقيقة ذرية نوح من الذكور لا غيرهم، أو بالاشتراك مع ذريته من البنات.
وقد جعلنا آيتي الإسراء ومريم قسما خاصا، لأنها هي التي تحتاج إلى توجيه، وهي أساس ظهور الإشكال. ولهذا فسوف نجعلها آخر ما نذكر، حيث إن الصورة عندما تتضح، فإن توجيه آية تبدو شاذة هو أمر سهل.
أما القسم الثاني هو الآيتان: ﴿وَءَایَةࣱ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّیَّتَهُمۡ فِی ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ﴾ [يس 41] و ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَاۤءُ حَمَلۡنَـٰكُمۡ فِی ٱلۡجَارِیَةِ﴾ [الحاقة 11]. وهما توضحان أن البشر الموجودين على الأرض هم ممن حمل على الفلك المشحون فقط، ولا يوجد غيرهم، لأن الخطاب للعموم، ويؤيدها آية ﴿وَجَعَلۡنَا ذُرِّیَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِینَ﴾ [الصافات 77] وهي حصرية كما ترى.
أما القسم الثالث فيشمل الآيات: ﴿وَجَعَلۡنَا ذُرِّیَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِینَ﴾ [الصافات 77] و ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحࣰا وَإِبۡرَ ٰهِیمَ وَجَعَلۡنَا فِی ذُرِّیَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَـٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدࣲۖ وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ فَـٰسِقُونَ﴾ [الحديد 26].
إن الآية الأولى حصرية في أن ذرية نوح هم الباقين، وأنه لم يبق غيرهم، والذرية إذا وردت فإن الأصل فيها هو الذرية من جهة الذكور ولا مانع أن يشاركهم البنات، لأن النسب يأتي من قبل الذكور. هل يجوز أن يمتدح الله نبيه نوحا ويكرمه بجعل ذريته هم الباقين، مع أن له شركاء في هؤلاء الذرية هم أزواج البنات وهم أقوى من ناحية النسب وأقوى من حيث الحق في ربط الذرية؟ ألا يجوز لقائل أن يقول: كيف يذكر القرآن كرامة لنوح و هناك من يستحقها، هو أولى منه وهم آباء الذرية لم يذكرهم ولم يشر إليهم؟ لهذا عندما جاءت آية الحديد، قرن الذرية بكل من نوح وإبراهيم، والقرن يشير إلى التساوي والتعادل، فقال ذريتهما، فما جاز لإيراهيم فإنه يجوز لنوح، فإن كانت الذرية المذكورة لإبراهيم هي من جهة الذكور كما وضحته آيات أخرى مثل: ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥۤ إِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَیۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَیۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّیَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَیۡمَـٰنَ وَأَیُّوبَ وَیُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَۚ وَكَذَ ٰلِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [الأنعام ٨٤] الآيات، وهي تشير إلى ذرية إبراهيم، وإن جاء ذكر نوح هنا عرضا لأهمية ذكره في هذا الموضع، وقد يحتاج الأمر إلى تفصيل أكثر ليس هذا مكانه. فإذن قد اتضح من هذا القسم، أن الذرية هي ذرية نوح، أو على أقل تقدير، لم ترد الإشارة إلى (ذرية من حملنا) بل النص واضح في أن الذرية مربوطة بنوح بشكل مباشر. نستطيع أن نقول إنه حيثما ورد ذكر الذرية مع نوح من دون ذكر الفلك أو السفينة، فإنه لا إشكال فيها، ولا حاجة للخروج عن أصل افتراض مصدر الذرية.
نعود الآن إلى القسم الأول، ونبدأ بالآية الأوضح: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (سورة مريم الآية 58). ونتساءل: لماذا ذكرت الآية ذرية آدم وذرية إبراهيم وإسرائل، ولم تشر صراحة إلى ذرية نوح، بل قالت: وممن حملنا مع نوح؟ هل تتذكرون أن لنوح ابنا كافرا واحدا على الأقل هو الذي غرق؟ لو ذكر ذرية نوح بإطلاق، لكان من الجائز أن يكون منهم من هو من طرف ذلك الابن، فنص القرآ بوضوح على أن هؤلاء الأنبياء المنعم عليهم هم أبناء الصالحين الذين نجاهم الله في السفينة، من نسل نوح المحمولين لا غيرهم. كأن الآية تقول: ومن ذرية نوح الذين تم حملهم في السفينة لا غيرهم، فقالت: وممن حملنا مع نوح لإيصال نفس المعنى. قد يقول قائل: فما بال آية الحديد؟ ونرد عليه بأن تلك الآية قد فصلت في آخرها بأن منهم مهتد وكثير منهم فاسقون، ولذلك فلا إشكال فيها.
نصل الآن إلى أكثر الآيات إشكالا: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (سورة الإسراء الآيتين 2 ، 3). و قد أجمع المفسرون على أن المقصود النداء، أي ياذرية من حملنا مع نوح. دعونا نؤكد بأن هذه السورة تسمى أيضا بسورة بني إسرائيل، ولو جاز لنا أن نستخدم الأساليب السائدة اليوم، لقلنا بأن بني إسرائيل هم أبطال القصة المذكورة بتفاصيلها في هذه السورة، ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم. أراد القرآن التأكيد لبني إسرائيل، بفضل الله عليهم، فهم أبناء الناجين المصطفين، ويعودون إلى نوح العبد الشكور. هل سألت نفسك، مابال نوح يقحم ويوصف بهذا الوصف طالما الفضل يعود إلى ذرية قوم آخرين؟ أم أن الحق أن وصفه بالعبد الشكور، دل على دوره الخفي في الآية؟ إنه أبوكم، ووردو من حملنا مع نوح للضرورة، والأصل أن يقول: يا ذرية نوح، ولكن لأن النجاة في السفينة مهمة جدا في هذا المكان كذكر للمنة العظيمة عليهم، فصار السياق يقتضي أن تقول الآية: يا ذرية من حملوا في السفينة، ولكن هذا سوف يستبعد بقية الآية وذكر نوح مع أهميته البالغة، فأصبح نص الآية: يا ذرية من حملنا مع نوح، وهي تعني من حملنا في سفينة نوح، ولكنها مفهومة من السياق. أضف هذا إلى ما سبق، بأن ذكر ذرية نوح قد يتضمن ذرية ابنه الهالك، ولذلك وردت الآية بصورة تحصر الآباء بالناجين فقط، فصارت منة على منة: ذرية الصالحين، الناجين، أبناء نوح. وهي مقصودة لبيان عظم جرم بني إسرائيل، إذ كيف يصطفيكم الله اصطفاء بعد اصطفاء، ثم يكون عاقبة ذلك انحرافكم عن الحق؟
لعله بهذا قد استقامت جميع الآيات، ولم نقع بالغلطة التي وقع فيها الباحثان البديرات وزميله، فنجعل البشر أبناء مقطوعي النسب، لا يعرف لهم أب ولا أصل، سوى أصل مجهول.




تعليقات